السيد عباس علي الموسوي

220

شرح نهج البلاغة

الشرح ( فاخفض لهم جناحك وألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك وآس بينهم في اللحظة والنظرة حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم ) هذا العهد الشريف من أعظم عهوده إلى عماله يشتمل على التذكير بيوم الحساب وإعداد العدة له وما فيه من الأهوال وما بعده من الجزاء وهو موجهّ إلى محمد بن أبي بكر الذي ولاه مصر وكان محمد هذا يعدهّ الإمام بمنزلة أولاده ويقول : محمد بن أبي بكر ابني من ظهر أبي بكر قد تربى في بيته وعلى يديه وتخلّق بأخلاقه وتأدب بآدابه فسكب الإمام في روعه كل المعاني الطيبة فجاء إنسانا كبيرا عظيما مجاهدا لم يفارق الإمام إلا حين ولاه مصر فكتب إليه الإمام هذا الكتاب وابتدأ بالوصية له أن يحسن عشرة رعيته ضمن أوامر . أ - فاخفض لهم جناحك : أي ارفق بهم وتواضع لهم وأصل خفض الجناح أن الطائر يمدّ جناحيه ويخفضهما ليجمع أفراخه تحتها شفقة عليهم . ب - ألن لهم جانبك : تعامل معهم بلطف ورقة في أقوالك وأفعالك ولا تستعمل الغلظة والخشونة . ج - ابسط لهم وجهك : تلقاهم بالبسمة المعبرة لهم عن سرورك بهم ولا تعبس بهم فتؤذيهم . . . د - وآس بينهم في اللحظة والنظرة : وهذا منتهى العدل بين الرعية فإنهم إذا كانوا بحضرتك فلا تعطي وجهك لأحدهم وتحرم الآخر منه فإن ذلك دليل اهتمامك بالأول واحتقارك للآخر وفي ذلك ظلم له . ثم علل ذلك - المساواة في اللحظة والنظرة - بأن هذه النظرة قد تزرع في نفوس الأقوياء طمعا في ظلم غيرهم لصالحهم وفي المقابل فإن الضعفاء إذا وجدوا عدم النظر إليهم المعبّر عن عدم الاهتمام بهم فإنهم قد يصابون باليأس من عدلك على الأقوياء وأنك لن تحكم عليهم إذا كان خصمهم من الضعفاء وفي هذين الأمرين مفسدة عظمى يجب أن يتلافاها الوالي ويقضي عليها بالمساواة بين الضعفاء والعظماء . . . ( فإن اللّه تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة والظاهرة والمستورة فإن يعذّب فأنتم أظلم وإن يعف فهو أكرم ) نبههم إلى قاعدة كلية وكبرى صادقة حقيقية وهي أن اللّه سيسأل عباده ويحاسبهم على كل صغيرة من أعمالهم وكل كبيرة وكل